المبحث الأول: نظريات تكييف مركز المُحكم القانوني


كما أن هناك نظريات تُكيف الطبيعة القانونية الخاصة بالتحكيم فإن مركز المُحكم أيضًا له نفس النظريات وهي تنحصر في الآتي:

الطبيعة التعاقدية لمهمة المُحكم

يرى أنصار النظرية العقدية أن:

اتفاق التحكيم وحكم المُحكم يكونان كيانًا واحدًا، وتتجمع عملية التحكيم في شكل هرمي قاعدته الاتفاق وقمته الحكم الذي يبدو مجرد عنصر تبعي في هذه العملية، وذلك لأنه لا يعدو كونه مجرد تحديد لمحتوى العقد ولا يُعد قضاء.

سندهم في ذلك

إن اتفاق التحكيم مجرد عقد يتم قبل بدء إجراءات الخصومة، ويخضع لما تخضع له عقود القانون الخاص، وأن قرار المُحكم يتقيد بإرادة الخصوم، ويتأثر بالعيوب التي تشوبها.

خلص أنصار هذا الإتجاه إلى أن:

المُحكم ليس من قضاة الدولة بل شخصًا عاديًا، وقد يكون أجنبيًا، ويملك رفض قبول المهمة دون أن يعد منكرًا للعدالة.

المُحكم يستمد سلطاته من اتفاق الأطراف الذين يختارونه ويقبلون حكمه.

المُحكم لا يملك توقيع جزاءات على الأطراف، أو الشهود.

ضرورة إصدار أمر بتنفيذ حكم المُحكم من القضاء.

 ومن ثم يكون لحكمه الطبيعة التعاقدية.

انتقادات النظرية التعاقدية

التركيز على الجانب الإرادي في خصومة التحكيم.

تعذر تكييف نوع العلاقة العقدية التي تربط المُحكم بالأطراف.

إنكار الطبيعة القضائية لحكم المُحكم، وهو ما يفقده الحجية وقوة الشيء المحكوم فيه.

الخلط بين مهمة الموفق التي لا تتجاوز اقتراح حل يرضي جميع الأطراف، ومهمّة المُحكم الذي يحسم النزاع نهائيا بحكم مُلزم.

إذن. .

الجانب الاتفاقي الذي تبدأ به عملية التحكيم لا يحول دون إسباغ الصفة القضائية على الإجراءات.

 الطبيعة القضائية لمركز المحكم.

 يقصد بها أن المُحكم بمنزلة القاضي، وعمله عمل قضائي على اعتبار أنه يحل محلّ القاضي؛ فتكون له وظيفته وصفته، وأن اللجوء إلى المُحكم قضاء إجباري ملزم للأطراف متى اتفقوا عليه.

فالمُحكم لا يعمل بإرادة الأطراف وحدها، وإنما له طبيعة قضائية أيضًا لها الغلبة على طبيعة عمله.

جوهر الطبيعة القضائية تتمثل في الآتي:

* أن المُحكم يؤدي وظيفة القضاء بين الأطراف بحكم يحسم النزاع يحوز حجية الأمر المقضي به، وهذه الحجية استمدها المُحكم من المشرّع الذي يجعل حكم المُحكم قابلًا للطعن فيه.

* أن عمل المُحكم عملًا قانونيًا ملزم للأطراف شأنه شأن القاضي.

 ويدلّل أنصار هذه النظرية على حجيّة ما ذهبوا إليه بالتالي:

* أن عمل المُحكم ما هو إلا شكل من أشكال ممارسة العدالة التي تمارسها الدولة؛ فمهمة المُحكم تنحصر في ممارسة وظيفة قانونية عامة، وبالتالي فعمل المُحكم عمل قضائي، وحكمه حكم قضائي.

* توافر عناصر العمل القضائي في عمل المُحكم وهي: الادعاء، المنازعة، والشخص الذي يخو له القانون حسم النزاع.

* حكم المُحكم يعتبر عملًا قضائيًا بالمعنى الدقيق من حيث الموضوع والشكل.

حيث الشكل

فهو يصدر وفقًا للإجراءات التي تصدر بها الأحكام القضائية.

حيث الموضوع

فالمُحكم غالبًا ما يطبق قواعد القانون الموضوعي، ويلتزم باحترام حقوق المتخاصمين في الدفاع، وتقديم الطلبات، والبت فيها.

* أن حكم المُحكم يتكون من عناصر ثلاثة، ادعاء، تقرير، قرار، ووفقًا لمعيار العمل القضائي يعتبر حكم المُحكم في هذه الصورة عملًا قضائيًا.

* أن ذيوع التحكيم، وانتشاره، وظهور العديد من المنظمات، والهيئات، والمراكز الدائمة التي تنظّم التحكيم يؤكد الطبيعة القضائية لعمل المحكّم.

 الطبيعة المختلطة لعمل المُحكم

 تفرق هذه النظرية بين:

العلاقة التعاقدية البحتة، والعلاقة القانونية الإجرائية القضائية البحتة، وتسعى إلى التوفيق بين النظريتين السابقتين العقدية والقضائية.

إذن. . .

هذه النظرية تجعل المُحكم يحتل موقعًا وسطًا بين الطبيعة التعاقدية، والطبيعة القضائية

فيتراخى الاعتراف بالطبيعة القضائية لحكم المُحكم لما بعد صدور الأمر بتنفيذه، كنتيجة للربط بين حجية حكم التحكيم وقوته التنفيذية، ومن ثم يتمتع الحكم بطبيعة مزدوجة تبدأ تعاقدية، وتنتهي قضائية عندما يصدر الأمر بتنفيذ الحكم.

فعمل المُحكم وفقًا لهذه النظرية

عقدي بالنظر إلى الوجوه التي تنشق من أصل التحكيم، وهو العمل الإرادي للأطراف.

قضائي بالنظر إلى كون الحكم الذي ينتهي إليه يلزم الأطراف بقوة تختلف عن مجرد القوة الملزمة للعقد.

 الطبيعة المستقلة لمركز المُحكم

 يرى أنصار هذه النظرية أن:

طبيعة عمل المُحكم لا يمكن اعتبارها عملًا تعاقديًا بحتًا، ولا قضائيًا بحتًا، بل ولا مختلطَا أيضًا، ولكنه ذو طبيعة خاصة، ومستقلة.

 فعمل المُحكم عملًا له ذاتيته المستقلة تمامًا عن سائر الأعمال التعاقدية، والقضائية.

ويبرر أنصار هذه النظرية ما ذهبوا إليه بالآتي:

1ـ التحكيم نظام أصيل متحرر من العناصر التعاقدية، والقضائية مما يكفل السرعة الضرورية في نظر القضايا التي يدعيها الأطراف.

2ـ القضاء سلطة من سلطات الدولة يباشرها القاضي بهدف تحقيق سيادة القانون على المصالح المتنازعة بعكس التحكيم الذي قد لا يطبق القانون الموضوعي على النزاع.

3ـ التحكيم يختلف عن القضاء في بنائه الداخلي، حيث يتولى قانون المرافعات تنظيم القضاء عضويًا وإجرائيًا، أما التحكيم فينظمه قانون خاص به.

4ـ عدالة التحكيم تختلف عن عدالة القضاء؛ لأن عدالة التحكيم عدالة طبيعية سبقت في ظهورها قضاء الدولة.

5ـ التحكيم له ميزات خاصة به مثل لا وطنية التحكيم، وسلطان إرادة الأطراف غير المقيدة في اختيار القواعد الموضوعية والإجرائية.

ومن ثم. .

"فالتحكيم غير القضاء"

 التحكيم طريق استثنائي لا يجوز ولوجه إلا في المنازعات المتفق عليها بين الأطراف.

يشترط ألا تكون متعلقة بالنظام العام.

يفصل المُحكم بمقتضى الإجراءات الاتفاقية والقانونية المقررة.

يخضع كل هذا لرقابة القضاء، وإشرافه بما له من ولاية عامة.

الدروس المرتبطة

أحكام القضاء ـ المذكرة الإيضاحية ـ مضبطة مجلس الشعب ـ تقرير اللجنة المشتركة 

محاضرات الفيديو

  • تشكيل هيئة التحكيم.
  • شروط صلاحية المُحكم.
  • العوارض الخاصة بهيئة التحكيم.

شــــاهـــــد أيــضــًــا

تعلم أكثر

الراعي الرئيسي